أحمد مصطفى المراغي
26
تفسير المراغي
ليس من سنته تعالى أن يغفر لهم ذلك الكفر والظلم يوم الحساب والجزاء ، لأن الكفر والظلم قد أفسدا فطرتهم وأثرا في نفوسهم وأعميا قلوبهم وجعلاها تستمرئ قبيح الأفعال ، وتهوى شر الخلال والأعمال - ولا يزول هذا إلا إذا اتجهت نفوسهم إلى ما يضادّ ذلك ، من إيمان صحيح وعمل صالح يزكى النفوس مما ران عليها ويطهرها وينشئها نشأة أخرى ، ولا سبيل إلى ذلك يوم الجزاء والحساب ، ومن ثم قال تعالى . ( وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ) أي وليس من شأنه أن يهدى أمثالهم طريقا يوصلهم إلى الجزاء على أعمالهم إلا طريق جهنم ، فهي الطريق التي ينتهى إليها من دسى نفسه بالكفر والظلم ، وأوغل في السير فيها طول عمره ، واستمرأ الشرور والمفاسد ، حتى هوت به إلى واد سحيق . فانتظار المغفرة ودخول الجنات لأمثال هؤلاء انتظار لإبطال نظام العالم ونقضي لسنن اللّه وحكمته في خلق الإنسان . ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجرى على اليبس ( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) الخلود بقاء الشيء مدة طويلة على حال واحدة لا يطرأ عليه فيها تغيير ولا فناء ، والأبد : الزمن الممتد ، وتأبد الشيء : بقي أبدا وأبد بالمكان أبودا : أقام به ولم يبرحه ، أي يدخلونها ويذوقون عذابها حال كونهم خالدين فيها أبدا لا يخرجون منها . ( وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) أي وكان ذلك الجزاء سهلا على اللّه دون غيره ، لأنه مقتضى حكمته وسننه ، وليس بالعزيز على قدرته . وفي هذا تحقير لأمرهم وبيان لأن اللّه لا يعبأ بهم ولا يبالي بشأنهم . ( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ) بعد أن أقام سبحانه الحجة على أهل الكتاب وردّ شبهاتهم واقتراحهم ما اقترحوا تعنتا وعنادا - خاطب جميع الناس وأمرهم بالإيمان وشفعه بالوعد على عمل الخير والوعيد على عمل الشر ، للإيماء إلى أن